التقاريرسوريا

عامان على تدخلها.. ماذا صنعت روسيا في الجنوب السوري؟

مؤسسة نبأ الإعلامية/ سوريا

تفتح طريقة تعاطي روسيا مع ملف الجنوب السوري على وجه الخصوص باباً واسعاً من التساؤلات، هي ذاتها التساؤلات التي أرادت روسيا رسمها كبداية لمرحلة جديدة تنقلها من صفة معادية للثورة السورية، لأخرى تبرز فيها أكثر قرباً من سكان المنطقة.

نجحت روسيا في إثارة الجدل بين أوساط المدنيين والعسكريين في جنوب سوريا حول دورها ومكانتها وذهب البعض إلى إعادة النظر في تصنيفها كدولة مثل إيران في عدائها لهم، أو أقل درجة من ذلك، كما أنها استطاعت مدّ جسرها نحو الضفة الأخرى حتى أصبح عند الكثيرين خياراً وحيداً للإنقاذ من النظام وميليشيات إيران.

روسيا من “المحتل” إلى “المنقذ”

نجحت روسيا في استمالة بعض اللجان المحلية والمعارضين السابقين وإظهار قربها من السكان من خلال توزيع المساعدات في بعض المناطق واستقبال الشكاوي منهم، كما أنها دعمت بطريقة غير مباشرة الحراك الشعبي الذي تنظمه اللجان المركزية ضد النظام وحليفته إيران.

السياسة التي اتبعتها روسيا مع الجنوب السوري بعد آب/ أغسطس من العام 2018، جعلتها تنتقل من صفة “المحتل” إلى جانب إيران في دعمها للنظام، إلى صفة “المنقذ”.

المحلل العسكري، العميد “أسعد الزعبي” يرى أن روسيا لن تستطيع تغيير صفتها الحقيقية لأنها مغموسة بالدم، واصفاً “ابتسامتها ابتسامة الليث ودموعها دموع التماسيح”.

العميد الزعبي قال لـمؤسسة نبأ: “البعض لدينا من أصحاب القلوب الصغيرة والسياسيين المتطفلين هرعوا يلهثون وراء سراب الحل الروسي كما فعل البعض في بداية الثورة، ومن يظن أن روسيا تغيّرت فهو مخطئ”.

الزعبي اتفق في رؤيته مع القيادي المعارض “أدهم أكراد” الذي أكد أيضاً على نجاح روسيا في استمالة بعض القيادات والتكتلات في الجنوب لصالح مشروعها، موضحاً أن روسيا تتعامل مع المنطقة من خلال شخصيات محدودة وليس مع مؤسسات أو هيئات تمثّل المجتمع.

بدوره اعتبر القيادي أكراد في حديثه لـمؤسسة نبأ، أن صفة “الضامن” التي تُطلق على روسيا، “حيلة” يتخذها الناس من أجل وضعها أمام استحقاقات كثيرة فشلت في تحقيقها، ولتحييدها عن الصراع، في حين أن التوصيف الحقيقي لها “دولة محتلة”.

وحول إبعاد روسيا عن دائرة الهتاف خلال المظاهرات التي تشهدها المحافظة من وقت لآخر، قال أدهم أكراد: “تحييد روسيا عن مطالب المتظاهرين، هي سياسة يتم اتّباعها بتجزئة الحراك الشعبي، فلا نستطيع في الوقت الحالي مهاجمة كل القوى الموجودة في آن واحد، أما إيران فهي الأكثر ضرراً”.

الفيلق الخامس.. المنقذ من إيران والنظام

منذ بداية المفاوضات الحقيقية التي جرت بين روسيا وإسرائيل عام 2018، حول إعادة سيطرة النظام على الجنوب السوري، كانت الأولى تضمن إبعاد ميليشيات إيران ودار الحديث حينها عن تعهد روسيا بإبعاد الميليشيات مسافة 100 كيلو متر عن الحدود مع الجولان المحتل والأردن.

ومع تطبيق الاتفاق بسيطرة النظام وإخضاع فصائل المعارضة لاتفاق تسوية بمفاوضات شكلية، تشكّل اللواء الثامن ليضم المئات من المعارضين السابقين وإلحاقه بالفيلق الخامس الذي يتبع هرمياً لجيش النظام، في حين يتبع نفوذاً لروسيا، دون أن تتوضح أهدافه حينها.

القيادي المعارض السابق وأحد أعضاء لجان التفاوض مع روسيا “عبد الله أبو اليمان” تحدث لـمؤسسة نبأ، أن اللواء الثامن التابع للفيلق الخامس يتصف بالضبابية، حيث أن رؤيته غير واضحة فضلاً عن هيكليته الغامضة، وما يُعرف عنه هو فقط قائده “أحمد العودة”، وإذا ما نظرنا له خلال عامين، يتضح لنا أنه نجح في “تمييع” القوة العسكرية في الجنوب.

وتابع القيادي: “من غير المعقول أن نشاهد هذا الانتشار الكبير لميليشيات إيران في الجنوب، ونعتبر ذلك حصل دون موافقة الروس، وبعد ذلك يريدون أن يقنعونا بأن الفيلق الخامس تشكّل ليكون سداً منيعاً ضد إيران وحزب الله!”.

المحلل العسكري أسعد الزعبي، شكّك في نوايا روسيا بإظهار الفيلق الخامس، خصوصاً أن من يشرف على الفيلق هم ضباط النظام، معتبراً أن خيار الانضمام للفيلق هو “أفضل السيء كونه يُمكّن أبناء المنطقة من حمل السلاح بشكل مشروع ومن الممكن فرض بعض الشروط والتدخل في بعض الأحداث بالمنطقة”.

وأضاف: “تقسيم القوة العسكرية في الجنوب بين الفيلق الخامس والفرقة الرابعة والأفرع الأمنية، هي عملية مخطط لها من قبل الروس للإيهام بوجود خلاف مع إيران، وبذلك إبراز طرفين في الصراع محلياً بين موالين لروسيا وآخرين لميليشيات إيران والخاسر الوحيد هم أبناء المنطقة”.

طرح فكرة الانضمام للفيلق كان بمثابة تشكيل طرف جديد في الصراع، ليكون خصماً مقابل الميليشيات الإيرانية، وهي خطوة تُعيد الصراع إلى المنطقة التي لطالما تحدثت روسيا أنها تريد إعادة الاستقرار إليها بعد إنهاء فصائل المعارضة فيها، هذه رؤية يُلخّص بها القيادي أدهم أكراد، المرحلة الحالية التي تشهد أصوات متعالية بالوقوف خلف جسم عسكري واحد تحت راية الفيلق الخامس ضد إيران وحزب الله.

وتابع أكراد: “استخدام ورقة المقاتلين والمنشقين عن جيش النظام، بطرح تطويعهم في الفيلق الخامس لحمايتهم من النظام وإيران، توظيف رخيص لهذه الشريحة التي تستحق حياة مدنية آمنة بعد صراع طويل إبان الثورة المسلحة”، على حدِّ وصفه.

وأكد القيادي وجود مخطط بتطويع جميع الشبان القادرين على حمل السلاح على شكل لجان في جهات عسكرية من بينها الفرقة الرابعة والأفرع الأمنية، لتوظيفهم في مهام قتالية وتوسيع رقعة النفوذ في المنطقة.

من جهته، قال “محمد ماجد الخطيب” القائد السابق لتجمع ألوية الفرقان: “الشعب السوري والفصائل المحلية عموماً تعارض وجود إيران، ولإخراجها من سوريا يمكن التقارب مع أي جهة تساعد في ذلك، دون فرائض مشروطة تجعل الفصائل في الكفة الخاسرة، وما يجري الآن هو محاولة تقليل الخسائر والأضرار التي تنتج من تدخل إيران في الجنوب”.

أما المحلل العسكري، العميد “أحمد رحال”، يرى من وجهة نظر مختلفة، أن روسيا تسعى إلى استقرار الوضع الأمني في الجنوب السوري من خلال الفيلق الخامس وتوسيع نفوذه في المنطقة، بعد عزوف إيران عن التزامها بالتفاهم مع الروس بتنشيط ميليشياتها وسعيها إلى تطويع أكبر عدد من المقاتلين في درعا والقنيطرة.

روسيا تحدد الخيارات

لا يخفى أن فصائل جنوب سوريا التي خضعت لاتفاق التسوية، حافظت على الحد الأدنى من هيكليتها من خلال تشكيل اللجان المركزية التي تتولّى مهام “التفاوض” مع النظام وروسيا، كما أنها حافظت في بعض المناطق على قوتها العسكرية بصفة “حماية المنطقة” دون أي احتكاك مع قوات النظام.

حالة عدم الاستقرار الأمني وفرض اللجان المركزية وجودها في بعض الملفات، حال دون فرض النظام والميليشيات الأخرى نفوذها في جميع أجزاء المنطقة، حتى تحول بعض المدن والبلدات إلى ملاذ آمن للمنشقين والمقاتلين غير الراغبين بالانضمام للجهات التابعة للنظام وروسيا وإيران، الأمر الذي أقلق الأخيرة.

منذ ثلاثة أشهر تصاعدت الأصوات المطالبة بإنهاء حالة “الفلتان الأمني” التي تسود المنطقة، فتوجهت الفرقة الرابعة إلى ريف درعا الغربي بتعزيزات عسكرية كبيرة لشن هجوم على المجموعات التي وصفتها بـ “غير المنضبطة” التي تهاجم حواجزهم ومواقعهم، على حدِّ زعمهم، ليتدخل الروس حينها بدور المنقذ وفرض التهدئة على حساب إنهاء معاقل المنشقين والمقاتلين وطرح خيارات انضمامهم للفيلق الخامس أو الفرقة الرابعة أو الأفرع الأمنية، ليكون بداية للتسابق فيما بينها لتطويع أبناء المنطقة.

وأوضح القيادي أدهم أكراد، أن دوريات الشرطة العسكرية الروسية رافقت تعزيزات الفرقة الرابعة في الحملة الأخيرة والتي أفضت إلى انتشارها في ريف درعا الغربي، في الوقت التي يتحدث فيه البعض أن روسيا تسعى إلى تقليص دور الفرقة لارتباطها بإيران.

في حين بيّن القيادي والممثل السابق في لجان التفاوض أبو اليمان: “روسيا لم تغب عن المشهد في الجنوب السوري لكنها تحاول أن تظهر بدور الإنساني، كما أنها تطرح الفيلق الخامس بأنه طريق الخلاص من الفرقة الرابعة والميليشيات الإيرانية التي كانت روسيا سبباً في تقوية نفوذها وبذلك حصر الخيارات أمام المقاتلين وإنها حالة عدم التبعية.

وسيطرت قوات النظام مدعومة من روسيا على محافظتي درعا والقنيطرة في آب/ أغسطس من العام 2018، بعد معارك ومفاوضات استمرت قرابة شهر، خضعت خلالها معظم فصائل المعارضة لاتفاق التسوية، وخرج قسم منهم عبر قوافل التهجير إلى الشمال السوري.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق