التقاريرسوريامجتمع

هل نجح النظام في خلق انقسام وأزمة اجتماعية في درعا؟ كيف ستكون نتائجها؟

هل تُصلح التسويات ما أفسده الأسد؟

نبأ| محمد المسالمة

كف البحث عن المطلوبين بتهم سياسية وتسوية أوضاع المنشقين وإعادة الموظفين إلى دوائرهم ومكاتبهم الحكومية، إطلاق سراح المعتقلين، فتح الأسواق وإعادة ترميم المرافق العامة، هكذا جاءت الوعود في اتفاق التسوية جنوب غرب سوريا وبضمانات روسية عام 2018 لإعادة الحياة الطبيعية تدريجياً في درعا.

لكن سرعان ما اتضح أنها حبرٌ على ورق، فلا بنود اتفاق ولا قوانين تضبط ما يجري في المحافظة، قتلٌ واعتقال ونشر حواجز وقبضة أمنية جديدة، ودولة هشة فشلت في تأمين أساسيات الحياة للمواطنين.

العودة للحياة تدريجياً لم يكن بالأمر السهل سواء بالإجراءات الأمنية أو حتى على الصعيد الاجتماعي فثمانية أعوام من عزل النظام مناطق درعا عن بعضها تسبّب بـ “القطيعة” بين أهالي مناطق كانت تخضع لسيطرة النظام وأهالي أخرى كانت تحت سيطرة المعارضة.

المحررة والمحتلة، موالين ومعارضين، إرهابيين ووطنيين، هي أوصاف لطالما تكرّرت على لسان البعض طيلة السنوات الماضية، فكيف هي نتائجها في الوقت الحاضر؟

حواجز عسكرية وأخرى معنوية

رغم تسليم السلاح الثقيل والمتوسط، والوصول إلى التفاهم في عدد من البنود والاتفاقيات، إلا أن حاجزاً ما زال موجود بين فئة من هؤلاء مع القادمين من مناطق سيطرة المعارضة سابقاً، فنظرات الريبة والحذر تكاد لا تختفي من أعين المارّة.

يقول يوسف (اسم مستعار) وهو مقاتل سابق في صفوف المعارضة، “التقيت بصديقي في درعا المحطة بعد خمس سنوات انقطاع، توقعت أن يكون متلهّفاً لرؤيتي لكنه لم يرد السلام علي، وعندما كرّرت التحية ردّ بسرعة وأكمل طريقه”.

يضيف قائلاً: “هذه المواقف هي نتيجة الأفكار التي زرعها نظام الأسد في عقول بعض الأهالي في مناطق سيطرته، على مدار سنوات عمل على بث الفتنة والتفرقة بين الأهالي والعشائر عن طريق زرع العبوات وقصف التجمعات السكنية في درعا المحطة لاتهام المعارضين بها وأساليب أخرى”.

العودة للمربع الأول

قرررت قوات النظام الأسبوع الفائت في مدينة درعا إغلاقاً للطرقات بين درعا البلد ودرعا المحطة والإبقاء على منفذين فقط، وهو الأول من نوعه منذ اتفاق التسوية وسيطرة النظام وروسيا على جنوب سوريا، وفي متابعة مؤسسة نبأ لرأي الشارع في هذه الخطوة التي تعيد المدينة إلى المربع الأول والتي تقف عائقاً أمام عودة الحركة التجارية وفتح الأسواق في مركز المدينة إلى سابق عهدها، لوحِظ عدد لا بأس به من الناس الذين يؤيدون قطع الطريق بين المنطقتين متذرّعين بعدة أسباب.

يرى أبو وليد الحسين “اسم مستعار”، 45 عاماً من سكان درعا المحطة، أن القرار الذي اتخذته قوات الأمن بإغلاق الطرقات والسماح بمعبر واحد، هو عودة لما كانت عليه المنطقة قبل أكثر من سنتين بالرغم من زعم النظام سيطرته على المحافظة بشكل كامل.

يتابع: “هناك أيضاً ممارسات من قبل مقاتلين سابقين في صفوف المعارضة جعل منها النظام ذريعة لإغلاق الطرقات بزعم حرصه على حماية المدنيين”.

أسامة الحوراني، ناشط إعلامي سابق، كان له وجهة نظر أخرى: “هذا القرار قد ينتج عنه ضعف اقتصاد المحافظة، فالأهالي تحاول منذ عامين إعادة ترميم محلاتها التجارية في السوق الرئيسي”.

وجاء القرار في وقت يحاول فيه النظام جاهداً إعادة تشغيل الأسواق الرئيسية في مركز المدينة، إلا أن غالبية التجار لم يلتزموا بذلك وبقي غالبيتهم في الأسواق المستحدثة داخل الأحياء السكنية مثل حي السبيل، الكاشف، والمطار، وهذا الذي تسبب ببقاء مركز المدينة الرئيسي أشبه بمدينة أشباح، ما استدعى قوات النظام بإصدار قرار آخر يقضي بالحجز على الممتلكات في السوق في حال لم يقم مالكي المحلات بإصلاحها.

تغذية الخلافات وتعزيز التفرقة

عمد النظام منذ انطلاق الثورة السورية إلى تصدير موالين له في محافظة درعا من أبناء العشائر الكبيرة، لطبيعة المنطقة العشائرية ولكسب ولو جزء بسيط من هذه العشائر وخزانها البشري، الذي أصبح في ما بعد عبارة عن ميليشيات محلية ولجان شعبية تصول وتجول في مناطق سيطرته.

فنجح النظام في استقطاب عدد من وجهاء العشائر، منهم تحت الضغط وآخرين لهم مصالح ومنافع مشتركة مع نظام الأسد.

إذ شهدت درعا عدة اجتماعات لما يسمى “وجهاء عشائر درعا” بمناسبة الانتخابات الرئاسية قبل أسابيع، وهو ما لقي رفض شعبي واسع من أبناء هذه العشائر، لا سيما أن الاجتماع كان في مناطق يسيطر عليها النظام من الأساس، والأشخاص هم موالون للنظام، يصدّرهم الإعلام الرسمي على أنهم الممثل الوحيد لعدد من عشائر حوران وعشائر مدينة درعا خصوصاً.

رسائل مبطّنة ومضايقات

وليد سالم “اسم وهمي”، ناشط إغاثي سابقاً في درعا، يتحدث لنبأ عن التمييز بين حامل بطاقة التسوية والمواطن العادي، وما تسببه هذه الحادثة من مشاكل لدى فئة الشباب خصوصاً، “عملت لعدة أشهر كمندوب مبيعات لإحدى الشركات في درعا المحطة، لكن كنت أتعرض لمضايقات من قبل حواجز النظام لأنني أحمل بطاقة تسوية، وهذا تسبب بتأخير العمل وتعطيله أحياناً، مما استدعى الشركة بتوظيف شخص بدلاً منّي”.

ويضيف السالم، أن هذه المضايقات التي يتعرض لها حاملي بطاقة التسوية من قبل حواجز النظام، هي تهديد واضح أنهم غير مقتنعين بالتسوية التي جرت والتي لم تمكنهم من الانتقام، وأنهم لا يريدوننا بينهم لخوفهم من جيل الشباب الذي كسر حاجز الخوف.

وشهدت درعا المحطة عدد من حالات الاعتقال بحق مقاتلين سابقين أو ناشطين في صفوف المعارضة من دون أسباب واضحة واقتيادهم إلى الأفرع الأمنية، عدا عن حالات الخطف في المربع الأمني من قبل سيارات مدنيّة واقتيادهم إلى جهة مجهولة، والعثور على جثثهم بعد أيام على أطراق المدينة والسهول المحيطة.

يستيقظ أهالي درعا يومياً على خبر تفكيك عبوة هنا وتفجير آخر هناك، في مناطق يصعب الوصول إليها كونها مناطق أمنية، لتخرج أصوات تنادي بإعادة المناطق إلى سابق عهدها، وهي ردة الفعل التي كان ينتظرها النظام لوضعها حجّة ليّغلق بعض الطرق الرئيسية بين درعا البلد ودرعا المحطة التي يعتبرها مصدر تلك التفجيرات التي تحدث يومياً وإعادة المنطقة للمربع الأول قبل تموز ٢٠١٨.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى