مجتمع

عشائر حوران من الترحال إلى الأستقرار

تعاقب على حوران عبر تاريخها كم من الحضارات من أنباط إلى رومان وصولًا إلى زمننا الحالي ومن الطبيعي أن يتغير السكان بتغير الزمان والحضارات وتعاقب السنين، ولكن كيف تشكلت حوران بالديموغرافيا الحالية؟ وبسكانها الحاليين؟

  • الاستوطان:

معظم سكان حوران اليوم هم من السنة المسلمين وبعض العوائل المسيحية إضافة إلى استوطان الدروز لجبل حوران وكان للدولة العثمانية الدور الأبرز في توزع السكان في حوران على شكلهم الحالي؛ لكون حوران بقيت تحت حكم العثمانيين لفترة طويلة ولأنها الدولة التي حكمت في القرون المتقدمة في بلاد حوران.

مع تتبع حركة السكان داخل لواء حوران، نلاحظ أن الاستقرار  بدء بين عامي 1700م إلى نحو 1900م ونستطيع أن نضرب أمثلة عدة لكي نوضح ذلك، ففي غرب حَوران وفي طفس التاريخ الذي استقر فيه سكان طفس الحاليون كان في سنة 1838م أي منذ 183 سنة وأول من سكن قرية طفس هو “ساري العوض الزعبي”(1)

أما عن شرقي حَوران فقد استقر في بصرى الشام آل المقداد قرابة 1720م أي منذ قرابة 300 عام (2) كما أشار أحد الباحثين الذين زاروا بصرى قرابة 1800م أن بصرى 300 دار وهم: المقداد، بنو حميد، الصلاخدة، الذين قدموا من صرخد (3) فأشار الباحث هنا إضافة إلى سكان بصرى انتقال الصلاخدة من مكان تواجدهم في صلخد إلى بصرى ليستقروا فيها، ومع أن الباحث أشار أيضًا إلى أن في بصرى يتواجد بنو حميد، غير أنهم لا يتواجدون في بصرى في وقتنا الحالي، أي أنهم رحلوا منها في نفس الفترة تقريباً.

وفي بلدة الجيزة استقر جد آل الخطيب والذي كان اسمه خليل بعد قدومهم من منطقة حايل في السعودية، فنلاحظ هنا تنقلات مستمرة ليست من قبل أفراد لوحدهم بل من قبل عشائر وجماعات كاملة لأماكن إستقرار جديدة، ليأتي السؤال التالي: ما أسباب هذا التنقل المستمر؟

1- سياسة الدولة العثمانية:

كانت الدولة العثمانية تقوم بترحيل عشيرة كاملة من منطقة إلى أخرى كما فعلت مع عنزة في حوران، وقد ظهر ذلك في وثيقة مرسوم من والي حلب يرخص فيه قدوم عنزة (الفدعان) من حوران إلى حلب للعيش فيها بتاريخ 1828م (4).

أو قد تقوم باستقدام مجموعات كاملة لأهداف وأغراض تخدمها، فقد قامت الدولة العثمانية باستقدام الشركس والشيشان إلى حوران قرابة 1900م وكان هدف الدولة من ذلك هو زيادة عدد سكان لواء حوران لأهداف سياسية (5).

كما أن سياسة الدولة إتجاه المجتمع العشائري الحوراني كانت منظمة ضمن واجبات وحقوق، فهي تسمح لقبيلة بأن يعظم شأنها، وتعطي شيخها لقب شيخ حوران وتتلقى القبيلة عباءة شرفية وأسلحة خلال احتفالات سنوية لتجديد المواثيق، وفي المقابل تقدم العشيرة خيول لوالي دمشق وتعهد بتقديم الفرسان والرجال والدعم اللازم عند الضرورة، مما فتح بابًا واسعا للنزاعات العشائرية.

2- النزاعات العشائرية:

طبيعة حوران العشائرية وغياب قوات الأمن العثمانية عن لواء حوران وحتى انعدام وجود القوات العثمانية في الكثير من القرى والمناطق، جعلت القبائل في حالة من التنازع، والسياسة التي اتبعتها الدولة إتجاه عشائر لواء حوران (تم شرحها في النقطة الأولى) زادت من حدة النزاع، وعلى أثر هذه السياسة كانت تسود قبائل وتتسبب برحيل غيرها عن حوران كقبائل الفحيلي الذين رحلوا عن حوران قرابة 1850م (6) بعد خسارة حلف أهل الشمال (الفحيلي، السردية، العيسى، السرحان) أمام زحف قبيلة عنزة لحوران، وكصعود آل الحريري في الشيخ مسكين بعد أن كان تمركزهم في بُصر الحرير، وحلولهم مكان الشبلاق الذين كانت لهم مشيخة السهل الحوراني وكان شيخهم يلقّب بشيخ مشايخ حوران، إلا أن قسم كبير منهم رحلوا عن الشيخ مسكين في قرابة 1869م، وحصول نزاع واقتتال بين الولد علي وبني صخر سنة 1827م للسيطرة على مراعي حوران (7).

وغيرها من الأمثلة والأدلة ومن الأسباب الاقتصادية كفرض الضرائب وضيق المعيشة لتتبعها فيما بعد مرحلة التنظيمات الإدارية والتقسيمات للألوية والنواحي ومحاولة لتوطين البدو وإعمار القرى والأقضية، وتوفير الخدمات، وزيادة التركيز على حَوران وبيان أهميتها وأهمية تهدئة الأوضاع فيها، لموقعها الجغرافي المميز وتوافر التربة الخصبة فيها.

المصادر:

  1. المرويات التي جمعها الدارسون السوريون، إعداد: عبدالله حنا، صفحة 84.
  2. فلاحو سوريا، تأليف: حنا بطاطو، ترجمة: عبدالله فاضل – رائد النقشبندي، صفحة 66.
  3. تاريخ حوران، تأليف: فندي أبو الخير، صفحة 41.
  4. الدار السلطانية للدراسات والوثائق العثمانية، إعداد: الدكتور أحمد السلامة.
  5. تاريخ الشركس والشيشان في لوائي حوران والبلقاء، تأليف: جودت حلمي ناشخو، صفحة 40.
  6. البدو الجزء الأول، تأليف: ماكس أوبنهايم، ترجمة: محمود كبيبو، صفحة 541.
  7. الوضع الاجتماعي في جنوب سوريا، تأليف: غازي دحمان، صفحة 13.
زر الذهاب إلى الأعلى