أتلانتك كاونسل: المعارضة السورية.. فشل أم استراحة محارب؟

بالعودة إلى ما آلت إليه الأحداث في شهر أيلول/سبتمبر 2017، يبدو أن “الأشرار” هم من يحتفلون في ظل الوضع الراهن في سوريا. وفي مقدمة هؤلاء يوجد بشار الأسد وفلاديمير بوتين وعلي خامنئي.

على العموم، نفذ بشار الأسد عمليات تقتيل على نطاق واسع ضد مدنيين عزل لا حول لهم ولا قوة، وذلك على امتداد سنوات دون أن يشعر بالخجل أو الندم. أما فلاديمير بوتين فقد تدخل بشكل حاسم قبل سنتين حتى ينقذ حليفه السياسي من هزيمة عسكرية محققة، على الرغم من حقيقة أن الأسد يعد سفاحاً لشعبه. من جانبه عمد علي خامنئي إلى التواطؤ مع بوتين، وسانده بإرسال أكثر من 100 ألف مقاتل أجنبي، لخدمة نظام كان مستعداً لجعل سوريا تابعة لإيران وحزب الله.

واليوم يحتفل الزعماء الثلاثة بالتفوق العسكري الذي حققوه، خاصة أنهم قد سيطروا على 85 بالمئة من مساحة سوريا. ورغم أن كلاً من الأسد وبوتين وخامنئي يدركون جيداً أن الوقت لم يحن بعد للاحتفال؛ نظراً لأن العديد من الصعوبات لا تزال في انتظارهم، إلا أن ذلك لا يمكن أن يحول دون شعورهم  بالرضا.

على مدى سنوات كان بشار الأسد محل سخرية وانتقاد من قبل الجميع، حيث شبهه كثيرون بشخصية دون فيتو كورليوني “العراب”، زعيم المافيا في الفيلم الأمريكي الشهير. في المقابل تحرك بشار الأسد سنة 2011 ضد شعبه بكل هدوء وثقة، وكأنه كان متأكداً أن الرئيس الأمريكي لن يحرك ساكناً. فضلاً عن ذلك طمأن الأسد قواته المسلحة، مؤكداً أنهم  يجب لا أن يقلقوا من موقف الولايات المتحدة تجاه ما سيرتكبونه.

في هذا الصدد لسائل أن يسأل: كيف أمكن لبشار الأسد أن يعرف في ذلك الوقت من سنة 2011، أن باراك أوباما سيرسم لاحقاً خطاً أحمر فيما يتعلق بالقضية السورية ويُحذر من تجاوزه، ليعمد فيما بعد إلى إزالته ويعلن عن تراجعه عن موقفه بكل فخر؟

آنذاك، أورد أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية بكل ثقة أن خطاب باراك أوباما، الذي طالب من خلاله الأسد بالتنحي عن الحكم في آب/أغسطس سنة 2011، يفتقر لأي قيمة فعلية. ففي الغالب سيؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إضعاف الموقف الأمريكي، ومن ثم أدرك الأسد منذ ذلك الوقت أنه بصدد التعامل مع تهديدات “فارغة”. على العموم قد يكون خيار الأسد في هذا الصدد عشوائياً، وقد يكون الحظ حليفه في النهاية، إلا أنه كان محقاً بشأن رؤيته للأمور، في حين تبين أن توقعات كثير من السوريين والأمريكيين كانت خاطئة.

أما بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد استغرق سنتين حتى يدرك أن الخطاب الأمريكي فيما يتعلق بالشأن السوري لن تعقبه أي تحركات فعلية. في الواقع استطاع بوتين أن يستنتج جملة من المعطيات الحاسمة على خلفية فوضى المواقف الأمريكية وتذبذبها في تلك الفترة، في حين خرج بمكاسب تجاوز مدى تأثيرها سوريا. ففي حقيقة الأمر أيقن بوتين أن بإمكانه تقسيم أوكرانيا وتهديد حلف الناتو، دون أن يهتم فعلاً بموقف واشنطن من ذلك. وفي أيلول/سبتمبر سنة 2015، تدخل بوتين عسكرياً في سوريا، متجاهلاً كل المضاعفات التي قد تنتج عن هذه الخطوة، وكذلك الأمر عندما تدخل في مسار الانتخابات الأمريكية التي أثر عليها بشكل بليغ.

في أعقاب ذلك، وفي السنة نفسها، حظيت روسيا بجملة من التطمينات الجدية من قبل واشنطن، حيث تعهدت بأنها لن تشن حرباً بالوكالة ضدها في سوريا. ويعد ذلك بمنزلة آخر هدية تلقاها بوتين من قبل نظيره أوباما. وقد أيقن الرئيس الروسي حينها أن أقصى ما يمكن لواشنطن القيام به يتمثل في إلقاء المواعظ بشأن خطورة التورط في المستنقع السوري.

واعتبر القائد الأعلى في إيران، من جهته، سوريا مفاجأة سعيدة، ولا يزال يعتقد ذلك. وفي هذا السياق صرح أحد المسؤولين الإيرانيين، أثناء لقاء مع نظرائه الأمريكيين في إحدى العواصم الإسكندنافية، أنه “لم نكن نتوقع أننا لن نتعرض لأي هجوم فعلي مضاد في سوريا من قبل أعدائنا التقليديين؛ أي الولايات المتحدة وإسرائيل”.

ولعل سعادة إيران بلغت منتهاها حين تأكدت من أن الولايات المتحدة كانت على استعداد لدفع ثمن باهظ في سوريا؛ بهدف التوصل لاتفاق نووي، وذلك عبر تقديم جملة من المكاسب المغرية لطهران. ففي واقع الأمر تلقى المرشد الأعلى تأكيدات، في سنة 2014، تفيد أن الغارات الجوية الأمريكية في سوريا ستقتصر على استهداف مناطق تنظيم الدولة، كما ستستثني بشار الأسد. ومن هذا المنطلق تولدت قناعة لدى طهران وموسكو تحيل إلى أن النظام الذي يدعمانه يمكنه مواصلة ترويع المدنيين وقتلهم بشكل عشوائي، في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، دون أية مخاوف من الإجراءات التي قد تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية ضده.

من جانبها عززت مخاوف الإدارة الأمريكية التي تحيل إلى أن أي محاولة من جانبها للتصدي لجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الأسد ضد شعبه، قد تؤدي إلى دفع إيران بعيداً عن طاولة المفاوضات النووية، السياسة الدموية التي ينتهجها النظام بمساعدة حلفائه الخارجيين.

رغم فشل الغرب في حماية أي مواطن سوري من وحشية نظام الأسد، ورغم التدخل الكبير من جانب إيران وروسيا لإنقاذ النظام، لكن الوقت لا يزال مبكراً على إعلان نهاية المعارضة السورية.

على مدى السنوات الست الماضية، خاض الملايين من السوريين تجربة الحكم الذاتي وفكرة المجتمع المدني لأول مرة. وفي الأثناء، لم تخل ممارسة السوريين لأبسط حقوق الإنسان من العقاب، حيث بادر النظام بإلقاء البراميل المتفجرة وغاز السارين على المدنيين، فضلاً عن محاصرة الشعب ومحاربته عن طريق تجويعه، علاوة على الاعتقال غير القانوني، والتعذيب والاغتصاب.

وخلال هذه المرحلة، وجد الملايين من السوريين الذين كانوا يحاولون التخلص من النظام وسيطرته على جيوبهم ورقابهم، أنفسهم بين مطرقة مليشيات النظام وسندان المنظمات الإرهابية، التي سمح لها الأسد بالانتشار، حتى يظهر في ثوب المحارب للإرهاب.

بغض النظر عن كل هذه الحقائق المؤلمة، تمكن الملايين من الشعب السوري، على الرغم من معاناتهم اليومية من وحشية النظام والإرهابيين الذين يدعمهم، إلى جانب تنظيم القاعدة وإيران وروسيا، من كسر حاجز الخوف الذي تم ترسيخه تدريجياً وبشكل متقن طيلة 45 سنة من حكم عائلة واحدة.

في حال كانت طهران وموسكو تطمحان إلى إعادة الأسد إلى مكانته التي كان عليها قبل آذار/مارس سنة 2011، فلا يزال ينتظرهما الكثير من العمل لتحقيق ذلك. فبعد ست سنوات من الحرب ضد الشعب السوري أصبح النظام يعاني من الإنهاك، وفي حالة تفكك وارتباك كبيرين.

من جانب آخر، وفي حال تضافرت الجهود، وجُلب بشار الأسد للوقوف أمام العدالة لمحاكمته على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي اقترفها، فبلا شك سوف يتنصل من المسؤولية ويدعي لسان دفاعه أن هذه الانتهاكات ارتكبها ضباطه ومساعدوه من تلقاء أنفسهم، دون تلقي الأوامر منه. وممَّا لا شك فيه أن هذا الدفاع لن يكون مقنعاً.

في الوقت الراهن تتواتر العديد من التساؤلات الجدية بشأن مدى قدرة هذا النظام على مواصلة الحرب وتحقيق أهدافه، بعد أن تحول جيشه إلى مجرد مليشيا طائفية، في حين أصبحت مخابراته عبارة عن مجموعة من اللصوص والمجرمين. في الوقت ذاته بات عناصر الشرطة التابعين للنظام يعملون على تلقي الرشى والإتاوات مقابل أي شيء يقع تحت أيديهم. على الأرجح ستكتشف كل من روسيا وإيران، اللتان تدركان جيداً حقيقة قدرة بشار الأسد على إدارة البلاد، فضلاً عن طبيعة الأشخاص المحيطين به، قريباً النتائج الوخيمة لما تعتبرانه الآن انتصاراً.

أما بالنسبة للغرب فقد فشل فشلاً ذريعاً في حماية أرواح المدنيين. علاوة على ذلك اعتمدت الدول الغربية سياسة واقعية غاية في السلبية، سمحت لموسكو وطهران بالتحرك بكل حرية في سوريا. والجدير بالذكر أنه في حال كانت إيران وروسيا عازمتين على مواصلة السيطرة عسكرياً على سوريا، فمن الضروري أن تتحملا المسؤولية كاملة حول إعادة بناء كل ما تهدم في البلاد.

في الوقت الراهن، تقع على عاتق المجتمع الدولي والعالم ككل مسؤولية تقديم المساعدة الإنسانية للسوريين، سواء الموجودين في مناطق سيطرة النظام والمعارضة، أو المهجرين خارج البلاد. أما بالنسبة لإعادة الإعمار والبنية التحتية، فلا بد أن تتكفل الجهات التي تحتفل بالنصر بدفع الفاتورة.

ومن هذا المنطلق يقتضي التفكير الخلاق وضع شرط يربط بين تمويل عمليات إعادة الإعمار وتحقيق فكرة الحكم المحلي. ومن ثم سيخدم ذلك أهداف الثورة، ويحول دون سرقة البطانة الفاسدة المحيطة ببشار الأسد لكل ما يدخل البلاد. وفي كل الأحوال، ينبغي أن نكون واقعيين بشأن مدى استعداد هذه البطانة الفاسدة لتقاسم السلطة مع أي طرف آخر.

من جهة أخرى، إذا كانت طهران وموسكو ترغبان حقاً في أن تشارك الدول الغربية في إعادة إعمار سوريا، فعليهما إجبار حليفهما الأسد على التخلي عن ممارساته المعهودة، وترك المجال للسوريين لإدارة شؤونهم بأنفسهم في نطاق مدنهم وأحيائهم.

وتجدر الإشارة إلى أن مغادرة هذه الطبقة الفاسدة المحيطة بالأسد لم تكن شرطاً من الشروط المفروضة خلال مفاوضات الانتقال السياسي في سوريا، حيث لم يكن أحد يطمح لبلوغ هذا الأمر في خضم المفاوضات مع النظام.

حالياً نجحت روسيا وإيران في منع سقوط نظام الأسد، الذي تجسد ممارساته أسوأ أوجه الفساد وتعكس منهجية النظام الإقطاعي، في حين تكتب أسوأ الفصول في تاريخ الجريمة السياسية. على الرغم من كل هذه المآسي لا يمكن القول إن الثورة المسلحة التي اضطرت المعارضة إلى تبنيها، بعد أن اعتبر النظام أن التظاهر السلمي ضده تهديد كبير، قد انتهت وفشلت. ففي الحقيقة ستتواصل هذه الثورة بأي ثمن. أما بالنسبة للأسد وحلفائه، فبإمكانهم تأجيل حلم الحكم الذاتي والحرية للشعب السوري، ولكن لا يمكنهم الوقوف في وجه تحقق ذلك على أرض الواقع.

 

على العموم، من المرجح أن الجانب الوحيد الإيجابي فيما يتعلق بالموقف السلبي الذي تبناه الغرب طيلة هذه السنوات من الحرب، يتمثل في أن السوريين، وعندما ينجحون في تحقيق أهدافهم بأنفسهم، لن يكونوا مدينين لأي طرف، ولن يتجرأ أي طرف على القول إنه حليف لهم أو شارك معهم في تحقيق الانتصار.

المصدر: أتلانتك كاونسل- ترجمة إدراك للدراسات والاستشارات

هل أعجبك الموضوع.. شاركه لتخبر أصدقاءك به

مواضيع مشابهة: