“عمر الطالب السوداني في إيران” ج2

بقلم: النقيب المهندس ضياء قدور

يتبادر للذهن فور سماع عنوان هذي الحلقة (عمر في إيران) سيرة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي تم في عهده فتح بلاد فارس وانتشار الإسلام فيها، حيث بدأت طلائع الفتح الإسلامي في عهد سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وتكللت بالنجاح في عهد الفاروق حيث أكمل المسلمون حينها فتح إيران في موقعة القادسية الشهيرة التي قادها القائد الإسلامي سعد بن أبي وقاص، الموقعة التي تلقى فيها الفرس هزيمة نكراء وكانت نهاية حكم الساسانيين الذين كانوا يعتنقون الديانة المجوسية (آتش برست كما يقال في اللغة الفارسية عبدة النار ) وملأوا بلاد فارس ظلما وفسادا واضطهادا …
وبعد اعتناق الفرس الإسلام ودخول إيران تحت عباءة الخلافة الراشدية، ومن بعدها الخلافة الأموية فقد كان لهم بصمة كبيرة في الثقافة الإسلامية، وكان لعلماء بلاد فارس الأثر الكبير في كافة نواحي العلوم ومنهم: الخوارزمي في الرياضيات والفلك وعمر الخيام في الأدب والفلسفة وغيرهم الكثير.
بعد الإسلام أسس الشاه اسماعيل الصفوي الدولة الصفوية، واعتنق المذهب الشيعي واعتبره المذهب الرسمي في إيران (ومن هنا أتت تسميتها بإيران الصفوية)، وهنا حدث الشرخ الكبير بين إيران الصفوية الشيعية، والعالم الإسلامي المحيط بها.
عمر الذي نتحدث عنه اليوم هو (عمر السوداني) طالب عربي من السودان، طيب القلب كريم الأخلاق حسن المعشر، يمثل أيقونة ناصعة عن كل أخوتنا السودانيين الطيبين في كرمهم وبساطتهم التي شربوها مع مياه نهر النيل.
عمر الذي كان من الطلاب المتفوقين في بلده أوفد بموجب بعثة دراسية إلى إيران لدراسة الطب البشري في جامعة أصفهان، اصطدم بواقع مرير فيما يسمى الجمهورية الإسلامية بسبب اسمه (عمر) في المقام الأول، وبسبب لون بشرته الداكنة في المقام الثاني.
لم يكن يدرك عمر بدايةً حجم الحقد والكره الذي يكنه (مردم هاى مذهبى) والتي تعني في اللغة الفارسية الطائفيين المذهبيين وقوات (باسيج) قوات تعبئة وحفظ الثورة الخمينية.
ففي بداية دورة اللغة الفارسية في مدينة قزوين في الشمال لم يكن عمر يفهم التعليقات الساخرة التي كان يطلقها مدربي اللغة على اسمه (عمر)، وعلى لون بشرته الداكنة بسبب عدم تمكنه وفهمه الكامل للغة الفارسية التي كان حديث العهد بها، ولكن الطامة الكبرى عند اتمامه لكورس اللغة واتقانه لها، وبعدها انتقاله للدراسة في جامعة أصفهان، فقد كان التعليقات الساخرة تنهال عليه في كثير من الأحيان وبخاصة من بعض الدكاترة الذين كانوا يشرفون على تعليمه وتدريبه في اختصاصه، حيث كان يقول له أحدهم (إذا كنت تريد النجاح في هذا البلد عليك العودة إلى السودان وتغيير اسمك ﻹسم ثاني يختلف عن اسم عمر)
هؤلاء الأساتذة لم تقتصر أذيتهم لعمر في اللسان فقط، ولكن تعدتها لترسيبه قصدا في امتحانات المواد التي كانوا يشرفون على وضع اسئلتها وتصحيح أوراق إجاباتها، فقد كان يخرج عمر هذا الطالب المتفوق في نهاية امتحانه متوقعا حصوله على علامة جيدة في مادته ليتفاجأ في نهاية الفصل رسوبه فيها، أو نجاحه على حد علامة النجاح التي كان تساوي60% بالمئة،
ولم تقف مضايقات الإيرانيين لعمر على موضوع الاسم، بل طالت لتصل إلى حدود التمييز العنصري المنتشر في إيران بكثرة، حيث كان يطلق لقب (سياه بوست) على الأشخاص داكني البشرة بطريقة استهزائية وساخرة وعنصرية جدا.
وقع عمر بين خيارين أحلاهما مر، والخيارين سيوصلانه للفشل الذريع في دراسته ومستقبله ألا هما:
الأول: موصله الدراسة في إيران والتي ستوصله للفشل الأكيد بسبب مضايقة أساتذته له واعطائه علامات متدنية في مقرراته الدراسية.
والثاني: هو ترك الدراسة في إيران بعد أن أمضى فيها سنة كاملة في تعلم لغتها والعودة بخفي حنين إلى بلده بعد أن علقت عليه الآمال أن يعود إليها طبيبا مداويا.
لم يستسلم عمر في البداية وتابع دراسته بجهد وصبر واحتساب لمدة سنتين رغم كل المعوقات والعراقيل؛ لكن في النهاية لا يمكنه مواجهة وتحمل هذا الكم من الحقد الدفين الذي يصل عمره لآلاف السنين وجد في عمر الطالب البسيط متنفسا له.
وهذا خياره الثاني الذي تقبله على مضض بعد أن قدمت له النصائح من بعض زملائه الطلاب وأساتذته الإيرانيين الذي كانوا يتعاطفون معه،
ونصحوه بالحصول على مصدقة للتخرج من السنة الأولى لمتابعة دراسته في بلد آخر ومن ثم مغادرة البلاد، وهذا ما قام فيه عمر السوداني بالضبط.

النقيب المهندس ضياء قدور من مرتبات حركة تحرير الوطن -خريج (جامعة أصفهان في إيران – الاختصاص: هندسة المعلوماتية – هندسة الرياضيات التطبيقية).

هل أعجبك الموضوع.. شاركه لتخبر أصدقاءك به

مواضيع مشابهة:

2 تعليقان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.