ممانعة روسية لأي تسوية سياسية لا تمر من موسكو

يكفي النظر إلى عدد مرات استخدام روسيا لحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي حماية لحليفه نظام الأسد للتأكد من أن حل المسألة السورية ليس في الأمم المتحدة.

قبل يومين رفعت روسيا الفيتو للمرة الحادية عشرة منذ 2011، وهذه المرة في وجه مشروع ياباني لتمديد عمل لجنة دولية تحقق في استخدام نظام الأسد للسلاح الكيميائي في خان شيخون في أبريل الماضي.

وعلى ما يبدو، هنالك إصرار روسي أن الحرب انتهت في سوريا، ولم يبق سوى سوق المعارضة السورية صاغرة للقبول بالحل الذي تريد روسيا فرضه منفردة، بغض النظر عن مسار مفاوضات جنيف الأممية، وبالاستناد إلى نتائج مسار أستانة ومناطق “تخفيف التوتر” التي تزايدت من أربع في بداية هذا العام إلى سبع مناطق حاليا، على الرغم من أن هذه المناطق فارغة المضمون، ولا تلتزم بها سوى المعارضة التي خلع أصدقاء سوريا أسنانها، بالتضامن مع روسيا، على خلاف ما يدَّعي هؤلاء الأصدقاء.

بدأ السقوط بعد سقوط حلب في يد النظام في ديسمبر الماضي، ليجفف الأصدقاء موارد الدعم العسكري والمالي عن فصائل المعارضة، ربما في محاولة لإعطاء روسيا فرصة فرض الحل، وربما لتعجيز روسيا في هذا المسعى، مع الحرص على تجنب الاصطدام العسكري من كلا الطرفين الروسي والأميركي عسكريا في سوريا.

لكن تجفيف الدعم المادي والعسكري، مع استمرار فشل روسيا في فرض حل سياسي، والتواطؤ غير المعلن مع روسيا من قبل “أصدقاء الشعب السوري”، والخلاف بين أبرز داعميْن عربيين للثورة السورية، السعودية وقطر، يرشح المسألة للمزيد من التعقيدات.

في الأثناء، عقد وزراء خارجية روسيا وتركيا وإيران اجتماعا تحضيريا لمؤتمر سوتشي في أنطاليا التركية في 19 نوفمبر، قبل ثلاثة أيام من التاريخ المعلن لانعقاده في المنتجع الروسي. وهذا التاريخ “يصادف” تماما الموعد المعلن لانعقاد مؤتمر الهيئة العليا للمفاوضات في الرياض، أو الرياض2، الذي قد يكون الأخير حسب توقعات بعض المحللين، نظرا للغموض المحيط به، والتأجيلات المتعددة له.

لكن، قبل ظهور نتائج الرياض2، لا قيمة لاجتماع أنطاليا، وبالتالي لا شيء يؤكد التئام مؤتمر سوتشي في 22 نوفمبر الجاري، حيث من الممكن انفراط عقد الهيئة العليا للمفاوضات، أو استبدال أعضائها، أو معظمهم، ممن يتمسكون بمبدأ إسقاط بشار الأسد وأعوانه كشرط للحل السياسي في سوريا.

وبناء على ذلك، قد تجتمع وفود الدول الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، في سوتشي وحدها، بسبب تزامن الموعد المعلن مع موعد الرياض2 في اليوم نفسه، دون حاجة لانتظار وفد المعارضة السورية الرافض لفكرة سوتشي. وقد لا يتم هذان الاجتماعان في الموعد المتزامن، ليستمر غموض تزاحم هذه المؤتمرات التي تعكس تخبط الدبلوماسية الدولية حول المسألة السورية.

ستسبق هذه الاجتماعات المرجح انعقادها مؤتمر جنيف المقرر في 28 نوفمبر الجاري، والحامل لبذور فشله سلفا، وخاصة إذا تمخض عن الرياض2 فرط عقد الهيئة العليا للمفاوضات وإزاحة رياض حجاب رئاستها أو توسعتها، أو استبدالها كليا بـ“من حضر”.

فالهيئة التي تضم الصف الأول من وجوه المعارضة فشلت في تحقيق أي تقدم، ومن أي نوع، باتجاه إجبار النظام وروسيا وإيران على تقديم أي تنازل. وبالتالي، لن تكون في مقدور هيئة بديلة إلا محاولة الامتناع عن تقديم تنازلات لروسيا والنظام، منعا لإعادة تعويم النظام الأسدي، أو المجازفة بإعلان نعي الثورة الحالية رسميا.

وعليه، كان الفيتو الروسي الحادي عشر أكثر من مجرد مؤشر على “الممانعة الروسية”، دبلوماسيا، لأي حل سياسي لا يمر من موسكو، مع اعتداد الأخيرة بجهدها العسكري الذي أطاح بتوازن القوى الذي كان محل جدل قبل سقوط حلب.

وقد يتم تفسير ذلك باتجاهين، الأول هو مجازفة روسيا بإجبار المعارضة المسلحة على انتهاج أحد طريقين إما التسليم برغبة موسكو سياسيا، أو الاستسلام لها عسكريا؛ الخيار الثاني فيه مجازفة روسية أيضا، لكونه يتضمن استعداءها أوروبا والمعارضة السياسية السورية، ما قد يعني استئناف الدعم العسكري للمعارضة المسلحة لخلط الأوراق من جديد، والانتقال إلى مرحلة متقدمة من التحدي.

وفي قلب الخيار الثاني إن داعش يعيش أيامه الأخيرة في سوريا، بعد إنهاء وجوده في مدن العراق، بشكل شبه نهائي.

وهذا يعني وجود توجه أميركي لسحب ذريعة محاربة الإرهاب المتمثلة في داعش، تحديدا، من يد روسيا وإيران والنظام الأسدي، على الرغم من وجود ما يشبه الهدنة بين الطرفين، إضافة إلى وجود مظاهر جهد متسايرة في محاربة فلول داعش في الميادين والبوكمال وشرق ديرالزور، ما بين قوات النظام والميليشيات الشيعية وروسيا من جهة، وبين الولايات المتحدة وحليفتها قوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى، الأمر الذي لا يمكن تفسيره فقط بوجود تنسيق روسي أميركي للحؤول دون اصطدام القوتين الكبيرتين في ديرالزور، بل بسباق عسكري صريح لتثبيت أمر واقع لمصلحة روسيا والنظام، كمقدمة للتفاوض مع أي جهة تعارض حلهما السياسي الذي لا يخرج عن إطار الاستسلام الكامل، دون تقديم جوائز ترضية لحفظ ماء الوجه.

هذا التهادن الأميركي الروسي في ديرالزور يذهب به بعض المحللين إلى وجهة نظر رغبوية تستمر في التحدث عن الاستراتيجية الأميركية التي تفضل نصب فخ لروسيا تراعي فيه شهرة المخططين الروس في “لعبة الشطرنج الكبرى” في أوراسيا، بالاعتماد على مهارة وصبر المخطط الأميركي في تنفيذ حالة تموقع لاعب “الضاما”، دون أن يقلل من أهمية هذا التحليل مسار العلاقة الروسية الأميركية بعد آخر لقاء بين بوتين وترامب على هامش قمة “آيبيك” في فييتنام.

وتموقع لاعب الضاما الأميركي هذا مثالي بالنسبة للاقتصاد الأميركي الذي بدأ يعود إلى مستويات يقين ما قبل الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2007. لكن مع الالتزام بالمحافظة على مبدأ عدم المجازفة عسكريا بعد تقليص الوجود الأميركي في كل من أفغانستان والعراق. بينما لا تهتم روسيا بمسألة الاقتصاد كثيرا، من خلال اعتمادها على النفط والغاز كمورد رئيس لدعم موازناتها، وتعزيز موقعها كبائع للسلاح الذي لا تزال تجاربه مستمرة في سوريا.

وفي الواقع، خيارات روسيا وأميركا في شأن المسألة السورية تخضع لخيارات مصفوفة معقدة تحتفظ ببعض ملامح الحرب الباردة، لكن ليس بينها على ما يبدو مسألة سباق التسلح، في اتفاق صريح على تجنب الاصطدام عسكريا. أما الخيار الأوضح لكليهما فيعتمد على كسب الوقت، وعدم الاستعجال، على الرغم من محاولة روسيا تسريع إدخال المزيد من التعقيدات في سوريا لإرباك الخيارات الأميركية في ما يتقدم من الأيام، والشهور، وربما السنوات.

المصدر: المركز الصحفي السوري.

هل أعجبك الموضوع.. شاركه لتخبر أصدقاءك به

مواضيع مشابهة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.