التقاريرسوريا

أين معتقلي درعا؟

محمد المسالمة، إسماعيل المسالمة

ما زال ملف المعتقلين في جنوب سوريا هو الملف الأكثر تعقيداً والأكثر أهمية بالنسبة للأهالي و للجان المركزية التي تفاوض النظام منذ سيطرته على المنطقة في تموز 2018.

حيث كان بند المعتقلين يتصدر قائمة الشروط التي تم وضعها من قبل فصائل جنوب سوريا لتوقيع اتفاقية التسوية، والتي كانت حجة للكثيرين أنهم وقعوا على الاتفاق لأنه يخدم المصلحة العامة من إخراج المعتقلين وعودة المهجرين وغيرها من الوعود حول ملفاتٍ أخرى.

أيام قليلة كانت كفيلة بإظهار مدى هشاشة اتفاق تسوية جنوب غرب سوريا، فمع إعادة انتشار قوات النظام في مدن وبلدات محافظة درعا وعودة الجيش إلى ثكناته، بدأت حملات الاعتقال لتطال المئات من العناصر السابقين في صفوف المعارضة ومن الناشطين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية في المحافظة، رغم حمل معظمهم لبطاقة التسوية التي من المفترض أن تجنبهم الاعتقال على حواجز النظام.

تمكنت اللجان المركزية من إخراج بعض المعتقلين والبعض الآخر بقي قابعاً في سجون النظام ينتظر عفواً أو مكرمة رئاسية كما يحصل عادة، فتح إخراج أربع مجموعات من المعتقلين على شكل دفعات سميت “بمكرمة رئاسية” وكان آخرها في مطلع الشهر الجاري، والتي خرج بها 61 معتقلاً جميعهم تم اعتقالهم بعد اتفاق التسوية جنوب سوريا.

ويعمل النظام على إخراج عشرات المعتقلين بشكل جماعي ضمن مراسم احتفال في المركز الثقافي في مدينة درعا، يتخللها نصائح وشكر لرئيس النظام على “كرمه” وأن اللجنة الأمنية في درعا تفي بوعودها للأهالي بأنها ستفرج عن المعتقلين.

وبحسب مكتب توثيق الشهداء في محافظة درعا، وبعد تدقيق الأسماء والأرقام التي خرجت من سجون النظام، تبيّن أن معظم من خرج بقرارات العفو قد تم اعتقالهم بعد اتفاق التسوية، إذ وثّق المكتب خروج شخص ضمن إحدى دفعات المعتقلين وكان قد مضى على اعتقاله يوم واحد.

في حين يبقى مصير المعتقلين بين عامي 2011 و2018 مجهولاً. ومع التقارير التي تتحدّث عن تصفية ممنهجة للمعتقلين ووجود محارق للجثث في سجن صيدنايا وغيرها من المعتقلات، إلا أن الأمل ما زال موجوداً لدى الكثيرين من أهالي درعا.

أم محمد واحدة من بين آلاف النساء التائهات بين صور قيصر وقوائم المعتقلين المسربة، توجّهت إلى مقربين من النظام ومكاتب المسؤولين في النظام، في محاولة لمعرفة مصير ابنها المعتقل منذ عام 2014.

تحدّثت أم محمد “اسم مستعار” في تصريح لنبأ، عن محاولتها الأخيرة لمعرفة مصير ابنها: “اجتمعت مع أحد الضباط عن طريق وسيط من معارفنا واستلم مني مبلغ من المال ووعدني بأن يخبرني مكان ابني”.

وتمكنت مؤسسة نبأ الإعلامية من توثيق عدد من حالات دفع مبالغ مالية مقابل إخراج معتقلين من سجون النظام، نجح بعضها وفشل الآخر، وقُدّرت بعض المبالغ المدفوعة لذلك بحوالي 15 ألف دولار أمريكي.

تضيف أم محمد “بعد ما يقارب الأسبوعين من لقائي بالضابط تلقينا اتصال هاتفي للذهاب للمجمع الحكومي لاستلام وثيقة وفاة لابني المعتقل والتوقيع على أن العصابات الإرهابية هي من قتلته ويمنع فتح مجلس عزاء له”. 

من يفاوض النظام على ملف المعتقلين!؟

اعتبر أحد أعضاء اللجنة المركزية في مدينة درعا، أن لا مفاوضات على ملف المعتقلين، إنما هي مطالبات من قبل اللجنة المركزية ومن قبل الأهالي. مضيفاً بأنه لا يوجد جهة في النظام مخولة في التفاوض على ملف المعتقلين، خصوصاً معتقلي سجن صيدنايا والمغيبين قسراً وما يطلق عليهم معتقلي ما قبل التسوية.

ويضيف المصدر الذي فضّل عدم ذكر عن اسمه لنبأ “أما عن المعتقلين المتواجدين ضمن الأفرع الأمنية في المحافظة، فإطلاق سراحهم يعود لرئيس الفرع نفسه ومزاجيته، وهذا الأمر فتح باب الفدية، ليتم طلب المال من ذوي المعتقل عن طريق سماسرة معروفين في درعا مقابل إخراج المعتقل، وأحياناً أخرى يخرجون بعض المعتقلين بسبب الضغوطات التي يتعرضون لها من الشارع ومطالبات الناس”.

وفي سؤاله عن الدور الروسي الذي يعتبر ضامناً لتنفيذ شروط اتفاقية التسوية والتي من ضمنها إخراج المعتقلين قال “الضامن الروسي كمن يضع البنج على الجرح، فمنذ أواخر عام 2018 إلى اليوم، لم يساهم الروسي في إخراج أو الكشف عن مصير أي معتقل، وملف المعتقلين هي الجزرة الروسية لسياستها بسوريا من أجل أستانا”.

وأشار إلى أن ملف المعتقلين يتم استخدامه من قبل النظام وروسيا وإيران كملف “مافيوي” للتفاوض مع الدول بغية ابتزازها بملفات سياسية وإعادة الإعمار بعيداً عن الشأن الإنساني والأخلاقي.

في حين قال عضو في اللجنة المركزية في الريف الغربي لدرعا، فضّل عدم ذكر اسمه، إن اللجان المركزية هي الجهة الوحيدة التي تفاوض النظام على ملف المعتقلين. مضيفاً إلى أن الملف أصبح معقداً جداً، لا سيما أن ضباط النظام بدأوا بالمماطلة والالتفاف حول الموضوع بحجة أنه خارج صلاحياتهم.

وكانت شهدت درعا مؤخراً اغتيال أحد أبرز قياديي المعارضة في جنوب سوريا، أدهم أكراد والذي لطالما تحدث عن ملف المعتقلين وعن مفاوضات تجري مع ضباط النظام بشأنهم، وقال في حديث سابق له أن “الضامن الروسي” لا يبدي جديّة في التعامل مع الملف.

بعد اغتيال الأكراد في ظروف لم تتكشف ملابساتها إلى الآن، قالت مصادر إعلامية إن الأكراد ومن معه كانوا في اجتماع ضم عدد من ضباط النظام في العاصمة دمشق، بعد دعوة الأخير لهم للتفاوض حول ملف المعتقلين وتسليم جثث لعناصر سابقين في المعرضة كان النظام قد أخذها خلال إحدى المعارك الدائرة في ريف درعا الشمالي، ليتم اغتيال الأكراد ومن معه أثناء عودتهم إلى درعا بالقرب من بلدة جباب على الأوتوستراد الدولي درعا – دمشق، وهو ما اعتبره ناشطون رسالة لكل من يحاول الضغط على النظام بملف المعتقلين.

من أقوى الدولار الأمريكي أم الضامن الروسي؟

افتتح الضامن الروسي في محافظة درعا في السابع من حزيران 2020، مركزاً في فندق “الوايت روز” لاستقبال أهالي المعتقلين في سجون النظام السوري، لتفسح لهم المجال بتقديم معلومات عن أبنائهم بشكل مباشر للقوات الروسية لأول مرة منذ دخولها كضامن لاتفاق التسوية في تموز 2018.

حيث قدم ذوي المعتقلين أوراق ثبوتية وصوة شخصية للمعتقل ومكان وزمان الاعتقال، إلا أنه لم يخرج منهم أحد إلى الآن.

ويذكر أن القوات الروسية تسلمت أكثر من مرة قوائم بأسماء معتقلي محافظة درعا منذ ما يقارب العامين، حصلت نبأ على نسخة منها ونتحفظ على نشرها بناء على طلب عدد من أهالي المعتقلين الذين يرفضون التصريح عن اعتقال أبنائهم.

بعد عشرات القوائم بأسماء المعتقلين التي تسلمها الروس وبعد جلسات ومفاوضات مع اللجان المركزية وقادة سابقين في المعارضة، لم ينتج عنها إي شيء، بل ازداد الملف تعقيداً إلى أن وصل بانسحاب ضباط النظام من أي نقاش يخص موضوع المعتقلين لأنه خارج صلاحياتهم.

واعتبر عضو اللجنة المركزية بالريف الغربي أن الروس غير جادّين في ملف المعتقلين وغير مهتمين به، وأضاف “لم نحصل منهم إلا على الوعود والمماطلة”.

وقال والد معتقل من ريف درعا، أُطلق سراحه مؤخراً بواسطة مبلغ مالي بعد أشهر من اعتقاله، إن غالبية السماسرة لا يرغبون بالدخول في عملية وساطة مدفوعة للمعتقلين الذين مضى على اعتقالهم أكثر من أربع سنوات، بحجّة أن مصيرهم مجهول حتى بعض رؤساء الأفرع الأمنية في درعا لا يعرفون عنهم شيئاً، على حدّ قوله.

ما هو مصير معتقلي درعا؟
“الرد الأخير”

أوضح عضو اللجنة المركزية أن المفاوضات مع ضباط اللجنة الأمنية في المحافظة وأهمهم، اللواء حسام لوقا والعقيد لؤي العلي رئيس فرع الأمن العسكري والعقيد خردل رئيس فرع المخابرات الجوية، إضافة للّواء علي محمود والعميد غياث دلا من الفرقة الرابعة، لم تّعطي أية إجابة واضحة عن معتقلي ما قبل تسوية 2018، في إشارة ضمنيّة إلى عدم وجود صلاحيات لهم للتفاوض بهذا الملف.

وعن المفاوضات الأخيرة بخصوص ملف المعتقلين، تحدّث عن اجتماع جمعهم أعضاء من اللجنة المركزية مع اللواء علي محمود في مكتبه في ضاحية درعا، ولم يكن هناك أي جديد، وعود ومماطلة فقط، على حدّ قوله.

وشهدت عدة مدن وبلدات من محافظة درعا تظاهرات مطالبة بالمعتقلين والكشف عن مصيرهم، إضافة إلى هجوم على حواجز النظام وخطف عناصر له للمفاوضة عليهم مقابل إطلاق سراح معتقلين لدى النظام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

‫8 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق