البحث عن تسوية بديلة – هل أخطأت روسيا باتفاقية الجنوب عام 2018؟
مضى على اتفاق التسوية في جنوب غرب سوريا ثلاث سنوات، شهدت فيها درعا والقنيطرة جملة من الأحداث والتغيّرات في موازين القوى العسكرية واستُحدث خلالها قوى متعددة على طرفين متقابلين، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار

رسمت روسيا مستقبلاً لمنطقة جنوب غرب سوريا باتفاقها مع دول إقليمية عام 2018 لتكون كغيرها من المناطق التي خضعت لاتفاقات تسوية في السنوات الأخيرة، لكن يبدو أن ذلك لم يتحقق.
تسلّمت روسيا ملف المنطقة باتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والأردن التي رفعت دعمها عن فصائل المعارضة ومن ثم جرت مرحلة التسليم بعد مفاوضات “شكليّة” فرضت فيها روسيا معظم بنودها على الطرف الآخر.
كل ذلك كان يوحي بأن المنطقة تتجه إلى مرحلة الاستقرار تحت سطوة القوة الأمنية التابعة للنظام دون أي صوت معارض يعكّر صفو مخططات روسيا والنظام، وميليشيات إيران التي عادت إلى التغلغل بعد إتمام الاتفاق.
ما الذي تغيّر؟
مضى على اتفاق التسوية في جنوب غرب سوريا ثلاث سنوات، شهدت فيها درعا والقنيطرة جملة من الأحداث والتغيّرات في موازين القوى العسكرية واستُحدث خلالها قوى متعددة على طرفين متقابلين، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار.
كانت الخطوة الأولى التي أوصلت فيما بعد إلى حالة اللا استقرار، عودة القبضة الأمنية وتنفيذ عمليات اغتيال واعتقال وصفها البعض بـ “الانتقامية” طالت عدد من المعارضين والمنشقين عن جيش النظام، كما لم تلتزم روسيا والنظام بتطبيق بنود الاتفاق وأبرزها إطلاق سراح المعتقلين.
وتعزّز الموقف المعارض في المنطقة وخاصة في درعا مع تصدي مجموعات معارضة لقوات النظام خلال هجماتها على مناطق سكنية مرات عدة.

لجان التفاوض لم يكن موقفها مختلفاً، على مدار ثلاث سنوات تمكنت من لعب دور “رادع” لمنع اللجنة الأمنية التابعة للنظام من استكمال فرض سيطرتها على جميع المناطق، حتى وإن لم تنجح في بعضها فخضعت لاتفاقات تسوية منفصلة لكن على الأقل لم يكن موقفها مسانداً للنظام، من وجهة نظر كثيرين.
في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أيار (مايو) الفائت، ظهرت درعا في مشهد يُشابه إلى حدّ قريب مناطق شمال سوريا التي تخضع لسيطرة المعارضة بشكل مطلق، فاختفت صناديق الاقتراع عن العديد من المناطق كما خرج المئات في مظاهرات منددة بالانتخابات لمشاركة بشار الأسد فيها، حتى في المناطق التي عم تخرج عن سيطرته طيلة السنوات العشر الماضية لم تشهد إقبالاً كبيراً على المراكز الانتخابية وهو ما أزعج سلطة النظام الأمنية.

هل أخطأت روسيا باتفاق التسوية 2018؟
على أقل تقدير، فإن مجريات الأحداث في درعا منذ ثلاث سنوات حتى اليوم لا تنال رضا روسيا وهو ما يراه بعض الموالين للنظام أنه نتيجة لقرارات وخطوات اتخذتها روسيا عام 2018 وانعكست سلباً عليها بعدم تمكّنها مع حكومة النظام من فرض السيطرة المطلقة على المحافظة.
“تسويات غير عادلة” هكذا وصف حسين الرفاعي أمين فرع حزب البعث ورئيس لجنة المصالحة في درعا، بتصريحات إعلامية مؤخراً، اتفاقات التسوية مع فصائل المعارضة عام 2018 بسبب ترك الأسلحة مع المعارضين.
أوساط الموالين للنظام وفي كل حدث بدرعا، تجدّد اتهامها لروسيا بعدم الجدّية والحسم مع ملف المعارضة بدرعا، وتخرج من بعضهم دعوات لجيشهم بـ “التمرّد” على حليفتهم روسيا والتعامل “بيد من حديد” فيها.
يرى ضباط النظام وعلى لسان أحدهم في إحدى الاجتماعات مع لجان التفاوض في درعا، أن وجود بعض الشخصيات القيادية والتي كانت ذات تأثير كبير إبان سيطرة المعارضة، يشكّل عائقاً إلى حدّ ما أمام فرض السلطة الأمنية على جميع المناطق وتجنيد قسم كبير من شبّانها في صفوف النظام.
هذه الشخصيات إضافة إلى آلاف مقاتلي المعارضة رفضوا الخروج إلى شمال سوريا في قوافل التهجير واختاروا البقاء في درعا، ولم تجبرهم روسيا على الخروج بل إنها حاولت إبقاء أكبر عدد ممكن من سكان المنطقة لأسباب مجهولة لكن البعض فسّره بأن الدول التي اتفقت معها روسيا حول مصير الجنوب كانت تعارض تهجير سكان المنطقة.

جرى ذلك على عكس المناطق الأخرى التي خضعت لاتفاقات تسوية مماثلة لكن خرج معظم معارضيها عبر قوافل التهجير إلى شمال سوريا، وهنا يقع “الخطأ” من وجهة نظر طرف النظام.
يُضاف إلى ذلك ملف السلاح الخفيف الذي بقي بيد مجموعات المعارضة بناء على اتفاق التسوية حتى يتم التوصل لتسوية سياسية في البلاد، لكن اليوم روسيا تراجع هذا الملف.
البحث عن تسوية بديلة
في درعا العديد من المناطق التي تعتبرها روسيا والنظام “رأس حربة” في الوضع القائم، تتركّز فيها العمليات الأمنية ومساعي من خلال التفاوض مع لجانها للتوصل إلى تسوية جديدة مختلفة ببعض بنودها عن اتفاق 2018. كان آخرها في مدينتي درعا والصنمين بطلبها تسليم السلاح الخفيف والسماح بدخول قوات النظام وإجراء عمليات تفتيش واسعة.
مساعي يراها معارضون أنها مراجعة روسية لسياستها مع ملف جنوب غرب سوريا ومحاولة للحسم بطريقة التفاوض كأولوية لمنع تفجّر الأوضاع والعودة إلى المربع الأول، لكن ذلك لا يمنع احتمالية التصعيد العسكري في ظل تهديدات روسية – سورية وضغوط من خلال التضييق الأمني السائد في مدينة درعا.